دمشق

عندما كنتُ طفلاً شكّلت دمشق حلماً بالنسبة إلي. كنت أشعر تماماً كيف كنت أتوق إلى تلك المدينة في أعماق وجداني٬ خاصةً عندما كان يحكي لي أحد أصدقائي في الحي عن جمالها وبهاءها في كلّ مرّةٍ يعود فيها إلى حمص من زيارة أقاربه في دمشق يروي لي بالتفاصيل ما رآه وكم أن تلك المدينة٬ التي كنت أتصورها في مخيلتي بعيدةً جداً٬ بديعةٌ بكلّ ما فيها. وأنا الطفل المسكين٬ العاجز عن الوصول إليها٬ لا أقارب لي هناك ولا يملك والديّ الوقت لأخذي إليها فقط لمجرّد أنّني أرغب في ذلك. وهكذا صارت دمشق حلمي الذي يقترب كل يومٍ خطوة مع نضوجي وتقدمي في السن٬ فقد كنت أنوي زيارتها فور استطاعتي ذلك بمفردي

عندما كبرت بعض الشيء٬ وبعض الشيء هنا تعبيرٌ غير مناسبٍ أبداً٬ سافرتُ إلى دمشق٬ ولكن ليس كزائرٍ جاء إلى العاصمة من الشمال لزيارة المعالم الأثرية والأحياء الشعبية٬ بل كنازحٍ رمته رياح العاصفة التي اجتاحت مدينته هناك٬ بينما هو٬ ابن السابعة عشرة٬ لا يعرف عن الحياة خارج حمص الشيء الكثير

وصلنا دمشق بسيارة الأجرة ذات اللون الأصفر المقيت التي حملتنا بعيداً عن ضجيج الحرب ورائحة الموت إلى دمشق٬ -لم أكره شيئاً حتى ذلك الوقت٬ بعد ديكتاتورنا٬ أكثر من تلك السيارة اللعينة- لتكون صدمتي الكبرى٬ فبينما كانت لا تزال مشاهد الجثث وركام المنازل عالقةً في رأسي٬ تفاجئتُ بهبوطي في عالمٍ مختلفٍ تماماً عن ذلك الذي غادرته قبل ساعاتٍ قليلة. حافلاتٌ كثيرة٬ الأسواق متخمةٌ بالزوار٬ الشوارع مزدحمة والحياة تملأ بضجيجها هذه المدينة التي تحولت في عيني خلال لحظاتٍ من حلمٍ ورديٍ إلى خيبةٍ موجعة. هذا المسار الطبيعي للحياة كنا قد نسيناه في مدينتنا منذ أكثر من سنة٬ حين قررنا الثورة. في مدينتي المسكينة٬ التي صارت الآن خلفي٬ لا يسمع المرء زقزقة العصافير ولا يستقبل شمس الفجر بابتسامةٍ وفنجان قهوةٍ بينما فيروز تغني “قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب”٬ بل يسعد لأنه استيقظ ليجد نفسه على قيد الحياة وأطفاله بينما منزله لا يزال قائماً. وسألت نفسي بانكسار٬ كيف يعيش الناس هنا بشكلٍ طبيعيٍ بينما الحرب تفتك بالبسطاء على بعد كيلومتراتٍ قليلةٍ فقط؟ كرهت دمشق حينها وفكرت مراراً بالعودة إلى حمص٬ حيث تعلّمنا مؤخراً ألا يُظلم جارك بينما تنام قرير العين

عشتُ في دمشق بعدها لعدة أشهر قبل أن أتمكن من مغادرتها إلى بيروت مرغماً. رغم مشاعري الجديدة تجاه٬ عاصمة القهر هذه ٬إلا أنّني لم أستطع إغلاق قلبي في وجهها أبداً. تلك المدينة تجبر المرء ألّا يظلم زهورها التي يعتصرُ الحزن جذورها ليُسيل الندى دموعاً على أوراقها فتبكي بصمت٬ فحتى إن تعاطفت الأزهار هنا٬ فستُقطع. كنت أجلس كلّ ليلةٍ على شرفة سجني ذو الخمس نجوم وأنظر إلى قاسيون. أنظر إليه بينما أفكر في حمص. أستعيد كل لحظةٍ عشتها هناك طوال أيام الثورة٬ كأن كل أيام حياتي السابقة قبل الثورة لم توجد يوماً. أنظر إلى ذلك الجبل المنكسر البعيد٬ والمرعب

 لقد علمتني دمشق خلال تلك الأشهر القليلة من تكون حقاً! تعلّمت أن هدوء ليالها وضجيج الحياة في نهاراتها لا يعنيان أن كل شيءٍ على ما يرام. أن الابتسامات التي تعتلي الوجوه التي تتظاهر بالرضا لا تعني أن الدمُ خلفها لا يغلي غضباً٬ ولا يعتصر الألم القلوب قهراً ولا تتّشح الضمائر بالسواد حداداً. لا تعني أن شعور العجز لا يقتل هنا كما تفعل القنابل خارج أسوار هذا السجن العظيم. عرفتُ أن البيوت في دمشق مدمّرةٌ كمثيلاتها في حمص وحلب٬ حتى وإن كانت لا تزال واقفةً على أعمدتها التي تحمل الأسقف والجدران التي لا ينبغي على الدمشقيين أن تتجاوزها أصواتهم بينما يهمسون بالثورة التي سيفجرونها يوماً ما في الخارج. عرفتُ أن الدمشقيّ حراً يتنفس حتى إشعاراً آخر

لقد تعرّفتُ إلى دمشق للمرة الأولى في أسوأ حالاتها عبر تاريخها٬ لم أزر في تلك الأشهر سوق الحميدية ولا المسجد الأمويّ. لم أرَ تمثال صلاح الدين ولم أتجول بين أزقّة باب توما حيث يحيكُ الياسمينُ سقفاً فوق رؤوس العاشقين الذين يملأون الأرصفة. كان حالي كحال أي شابٍّ آخر من سكان دمشق

كنتُ متوارياً خشية التغييب. كنت خائفاً ومكتوماً كدمشق٬ منكسراً كياسمينها ومحطمةً شآمتي كقاسيونها

نعم٬ غادراتُ دمشق بعد أن تعلّمتُ أن الثورة هناك تسكن القلوب قبل الشوارع وأن دمشق معتقلةٌ برمّتها

Photo: Lydia Waldmann

One thought on “دمشق

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: