في رثاء السّاروت

صديقي العزيز٬ أنت لا تعرفني٬ ولكنّني أعرفكَ جيداً. أعرفكَ كما تعرفك ساحات مدينتنا التي باتت خاويةً٬ ساكنةً لا روح فيها منذ سنوات. تلك الساحات التي اشتاقت إليكَ وإلينا وذبلت في انتظارنا٬ هناك٬ حيث صدحنا بأحلامنا بملأ أصواتنا. تلك الساحات التي حلمتَ بالعودة إليها لتعيد الحياة إليها محتفلاً بالنصر المنتظر

ليتكَ تعرف حجم الفاجعةِ يا صديقي٬ ليتك تدرك أن مصيبتنا اليوم مصيبتين٬ واحدةً بفقدانك٬ والأخرى خيبتنا٬ فكم أردنا الاحتفال معاً بنصر ثورتنا التي كنتَ من رفقاها الأوفياء منذ يومها الأول وبذلتَ في سبيلها الكثير. لقد كنتَ معطاءً جداً يا صديقي! كنتَ بسيطاً تشبهنا٬ فقيراً تشبه قلوبنا٬ شامخاً تشبه ثورتنا٬ جميلاً تشبه أحلامنا٬ متجدّداً تشبه آمالنا٬ وصامداً لا تشبه أحداً بذلك

كنتُ دائماً ما أتهرّب من الإمعانِ بالنظر في ملامحك! طالما كنتُ أخجل أمام ابتسامتكَ التي كانت تبعث الأمل فينا بعد كلّ انكسار. الأمل الذي يحتضرُ اليوم. كنتُ أقول في نفسي٬ كيف لكَ أن تحافظ على ابتسامتكَ رغم كلّ ما آلت إليه ثورتنا 

ولكن كيف لي اليوم أن أهرب من سماع صوتك الذي بات يملأ الدنيا ثورة؟ كيف لي أن أهرب من سماع صوتك يغني “جنة يا وطنا” و “حانن للحرية حانن”؟ صوتكَ الذي دخل كل منزلٍ ثائر وسكنَ قلوب الجماهير

يا صديقي ٬ كيف لي أن أواجه ساحة الخالديّة إن عدّتُ يوماً؟ ماذا سأقول لها؟! أستصدّق أن صوتك الفتيّ قد كتمه الموت؟! أستصدّقُ أن فارسها قد ترجّل؟! أن عيناكَ المتّقدتان بالتفاؤل قد انطفئ نورهما؟! أن ابتسامتك النقيّة قد خطفها الغياب؟! كيف لم يستحِ الموت أمام براءة ناظريك؟

لقد بكيتُ مرات كثيرة في ساحة الخالديّة بينما أردّد من بعدك: “نقسم بالله العظيم٬ لن نتراجع عن هذه الثورة”. لقد كنتَ أنتَ أول من نطقَ بتلك الكلمات وأكثرنا تمسّكاً بها ووفاء لها وإصراراً عليها

اختلفتُ معكَ في عدّة مواقف٬ عندما سمعتُ أنّك قد حِدتَ عن درب ثورتنا. حزنتُ يومها ولكنّني كنتُ عاجزاً عن كرهك أو شتمك. لكنّك٬ يا صديقي٬ عدت وأثبتّت للجميع ولي انتماءك الخالص لقضيةٍ بذلت دماءك في سبيلها

أتدري يا صديقي٬ تعجبني فيك روح الثائر٬ لقد كنتَ الأكثر تمرداً وثوريةً بيننا بعنفوانك الثوري النادر وببساطة ونقاء مطالبك٬ كنتَ الأنبل والأشجع في المواقف. علّك أخبرتني٬ أين تعلّمت ذلك؟ أين تعلمتَ أن تكون نموذجاً في الصدق والثبات؟ لقد كنتَ رمزاً وحّد ولم يفرّق.

وحّدتَ شعباً بأغنياتك التي كنتَ تعبّر فيها عن تعاطفنا كثوار مع رفاقنا في المدن الأخرى. وحّدتَ شعباً عندما لم تكن تعرف في الثورة حدوداً! وحّدت شعباً عندما استشهدتَ في أرض٬ بينما جبهتك تتوقُ إلى تراب حمص ودفنت في أخرى! ووحّد الوطنَ أخيراً الحزن الذي لفّه عند استشهادكَ

لقد كنتَ تلعب مع الموت يا صديقي٬ وفي كل مرّةٍ تراقصه فيها كنتَ تنجو من أنيابهِ بأعجوبة حتى ظنّنا أنّك أقوى من أن تطالكَ كفهُ قبل النصر. لكنكَ رحلتَ فعلاً هذه المرّة٬ رحلتَ ولن ترحل ذكراكَ يا باسط٬ ستبقى حيّاً بينما نكمل درب ثورتنا٬ ستكون حيّاً بينما ننتصر وستبقى حيّاً إلى الأبد٬ تراقب مبتسماً الوطنَ الذي طالما حلمت برؤيته حراً٬ عزيزاً٬ كريماً وسالماً

وكان ما ظنناه يا باسط٬ نعم٬ أنت أقوى من الموت فأمثالك تموت منهم الأجساد٬ وتظل أرواحهم خالدة. وهكذا روحكَ يا باسط لن تغادر المرمى٬ ستحرسهُ إلى الأبد! لقد كنت حارساً أميناً٬ وثائراً مخلصاً

قسمتَ ظهر الثورة اليوم يا باسط وبعثرت أشلائنا برحيلك٬ ثم عاد صوتكَ ينشد لنا فلمّ شملنا. ليتك تأتي اليوم لترى كم يحبّكَ هذا الشعب الذي أحببتهُ! كيف تبادلكَ العشقَ تلك البلاد المنكوبةُ المتّشحةُ بالسواد لفراقك 

لا أصدّقُ أنني أرثيكَ الآن! لستُ مقتنعٌ بفكرةِ موتكَ أساساً٬ أنت حيٌ يا باسط٬ ولكنّ الاشتياق والفقدان قاتلان!

ستنعيكَ الملايين٬ سيرسمون وجهكَ على كل الجدران٬ وستكتبُ لرحيلكَ الأقلامُ حزناً٬ ولكن٬ من سينشدُ لنا اليوم: “شهيدنا راح٬ على الجنة راح”؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: